الكذب المرضي هو أن يصبح الزيف نمط حياة والخيال واقعا، وهو عادة خطيرة تضر صاحبها والمجتمع، فبينما يلتجئ البعض إلى الكذب للخروج من مأزق ما، يغرق المصاب بهذه الحالة في عالم موازٍ لا يفرق فيه بين الوهم والحقيقة. في هذا المقال سوف نُبْحر في الأسباب الخفية لهذا السلوك المقيت، ونبحث عن سبل التعافي منه.
الفرق بين الكذب المرضي والعادي
في نظري كل أنواع الكذب صفة قبيحة، ولا يجب التحلي بها مهما كانت الظروف، ولكن نظرا لخطورة الكذب المرضي يجب أن نتطرق في هذا المقال إلى توضيح الفرق بينهما:
الكذب العادي
إن الكذب العادي يكون الكذاب واعيا بأنه يرتكب خطأ ما، وقد تكون له أسباب كأن يكذب الولد على والديه خوفا من العقاب، أو أن الشخص يريد أن يُبعد عن نفسه شبهة معينة، لأن هذا الشخص يُعد من الناس الذين لا يحبون المواجهة فيضطرون للكذب، كما أن الشخص في هذه الحالة يستطيع أن يوقف الكذب في أي وقت شاء. ومعظم من يكذبون لسبب يشعرون بالندم بعد الإنتهاء من الكذب.
الكذب المرضي
أما هذه الحالة التي هي موضوع مقالنا هذا، فإن صاحبه يصدر كذبة وراء كذبة أكبر وبدون ندم، وخصوصا إذا كان يعاني من اضطرابات الشخصية النرجسية أو الحدية أو الشخصية المعادية للمجتمع فإنه يصدق نفسه بشكل كبير، وذلك لكي يظهر على أنه ضحية الآخرين ومظلوم.
أما في غالب الأحيان فإن الكذب المرضي لا تكون له أسباب، ولكنه فقط صار عادة ونمط شخصية، ولهذا يصعب على الإنسان معرفة أن الشخص الذي أمامه كذاب وخصوصا إذا كانت معرفته به قصيرة الأمد.
الأسباب الخفية للكذب المرضي
لكل مرض سبب سواء كان عضوي أو نفسي، والكذب المرضي هو الٱخر له أسباب وخصوصا لما يتحول إلى أسلوب حياة، وأنا في هذه الفقرة إن أردت أن أوضح أسباب هذه الحالة الكريهة فإني لا أريد تبريرها، بالعكس فقط كي أحاول أن أُلفت نظر المريض إلى الأسباب التي أَلْصقت به صفة الكذاب مما يُسهل عليه علاجها أو تفاديها. ومن بين هذه الأسباب ما يلي:
ضعف الأنا وبناء الذات الزائفة
حيث أن شخصية المرء تكون مفقودة تماما أو تكون مصابة بالتكبر وكلا الأمرين يقودان صاحبهما إلى حالة الكذب المرضي. فيا ترى كيف يحصل ذلك؟
التكبر
إن التكبر هو واحد من أمراض القلوب، وهو صفة مقيتة دينيا وحتى عمليا وعلميا. فالشخص المتكبر يفعل أي شيء كي يُؤكد للآخرين أنه أفضل منهم، فيكذب ويسرق ويضرب يرتكب جريمة، كل هذه الأمور كي يبرهن للناس أنه أعلى منهم وهو على حق، رغم أنه لو اطلعنا في عمق وقرارة نفسه سنجده يعاني نقصا في التربية، أو عدم الرضى بنقص بدني أو بشكله، فيتطور هذا النقصان ويتحول إلى تكبر وتعجرف، ولكنه كي يبرهن أن ما يفكر به حقيقي يلتجئ إلى الكذب المرضي.
ضعف الشخصية
في هذه الحالة يكون الإنسان يتمنى أن تكون لديه أشياء هو فاقدها فيلتجئ إلى الكذب المرضي على أهله وزملائه، مثلا كأن يوبخه مديره في الشغل ولكنه يقول لزملائه أنه وقف شامخا ودافع عن نفسه وحاول أن يقنع المدير أن تصرفه صحيح وفي بعض الأحيان يقنع أصحابه أن المدير اعتذر منه.
التربية الأسرية
إن للتربية دور مهم في تكوين الأشخاص، فإذا صلحت التربية صلح الشخص، وإذا كانت فاسدة فإنها لا محالة ستنتج أشخاصا عديمي الفائدة وعالة على المجتمع.
وكي نتعمق جيدا في دور التربية سأعطي مثالا حيا على ذلك، حيث أني اعرف امرأة كانت ترسل إبنها ليسرق أشياءا بسيطة لما كان طفلا، ثم بدأ الطفل يسرق دون أن تطلب منه أمه، كبر الطفل وصار سارقا محترفا وعالة على مجتمعه، وسُجن عدة مرات. هذا المثل يطبق على الكذب المرضي، فإذا سمح الأهل لأطفالهم بالكذب حتى لو كان مزاحا ولم ينهوهم عنه ويشرحون لهم أضراره وحرمته في جميع الأديان، فإنه سيصبح عندهم عادة يصعب التخلي عنها. لهذا انتبهوا على أولادكم في طفولتهم واحرصوا على بناء شخصياتهم بطريقة صحيحة وسوية.
استدراج الأشخاص
في هذه الحالة يكون الشخص يشتغل في أشياء كثيرة ممنوعة، مثلا في تهجير الناس سريا من دولة إلى أخرى فيبدأ في إبراز عضلاته في الكذب بأنه يعرف خططا تسهل نقل الأشخاص وأنه سوف يوفر لهم الراحة خلال السفر...الخ، ولكنه بمجرد أن يأخذ منهم المبلغ المتفق عليه فإنه يتركهم وسط الطريق ويختفي ويبدأ في البحث على ضحايا جدد. وهذا المثال ينطبق في عدة مجالات، وهناك من يتبنى الكذب الدائم لاستدراج القاصرين واغتصابهم وخصوصا أن الشخص المريض بالكذب المرضي لا يندم على أفعاله بتاتا، بالعكس فإنه يحسبها ذكاءا ومهارة وأن الآخرين يستحقون ما يفعله بهم لأنهم أغبياء في نظره.
الهروب من الواقع المعاش
قد يعاني الإنسان من مشاكل معقدة في حياته يصعب عليه حلها، فمثلا قد يكون فقيرا ولديه أبناء ولكنه لا يجد شغلا كي يعيل به عائلته،عندها يلتجئ العديد من هؤلاء الأشخاص إلى الكذب على الناس كل يوم كأن يذهب إلى الجزار ويأخذ من عنده اللحم ويعِده أن آخر الشهر سيعطيه حقه، رغم أنه يعلم في قرارة نفسه أنه لن يدفع له، ويذهب عند البقال وبائع الخضرة ويستعمل معهم نفس الأسلوب وفي الشهر الآخر يذهب عند غيرهم وهكذا دواليك.
ولكن ما أريد قوله أن هذه الحالة ينقسم فيها الناس إلى قسمين، فهناك من يكذب قهرا لأنه بمجرد ما يتوفر لديه المال سيوفي الديون المتراكمة عليه. ولكن هناك البعض الآخر حتى لو توفرت عنده الأموال الطائلة فإنه لن يوفي بوعده أبدا.
كيف أتخلص من الكذب المرضي
هنا سنطرح سؤالا وهو هل يوجد حلا أو طريقة للتخلص من الكذب المرضي سأجيب وأقول نعم، ولكن بشرط واحد وضروري ألا وهو أن تكون رغبة حقيقية عند المريض في العلاج من هذه الحالة المقيتة، عندها يمكنه التخلص من الكذب بالطرق التالية:
علاج دوافع الكذب المرضي
قد يكون المريض يعاني من أمراض نفسية أخرى كثنائي القطب اضطراب الشخصية الحدية والنرجسية، ففي هذه الحالة يجب التركيز على التشافي من هذه الإضطرابات التي تعتبر مغذيات الكذب المرضي، عندها يجب على الشخص أن يلتجئ إلى متخصص نفسي، ولا ننسى أيضا الطبيب النفسي الذي سيعمل على إعطائه أدوية مضادة للإكتئاب والقلق والتوتر لأن الشخص لما يشعر بالأمان فإنه يقلل الكذب.
اليقين بالله تعالى
وهذه الطريقة هي أفضل علاج للكذب المرضي ولكل الحالات النفسية المرضية. حيث أن الكذب يتسلل إلى قلب الإنسان مثل دودة صغيرة وكلما أطعمها بالكذب فإنها تدغدغ مشاعره وتجعله يحس بالزهو والإفتخار، مما يشجعه على خلق قصص من الخيال ويحبك خيوطها بطريقة عجيبة، فتبدأ الدودة بالنمو إلى أن تصير أفعى، عندها إذا لم يطعمها فإنها تظل ترفس قلبه وتضرب يمينا وشمالا حتى يطعمها مرة أخرى بأكاذيبه.
فلو أن هذا الشخص كان عنده الإيمان بالله قويا منذ البداية، لما ترك لهذه الدودة منفذا تتسلل منه لأنه يكون قد أغلق باب قلبه بحجر صلب ، والذي هو اليقين بأن كل شيء بيد الله تعالى، وأن الله لا يضيع من اتقى وأصلح. وأن البشر جميعا لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لن يضروه إلا وقد كتبه الله له ولو اجتمعوا أن ينفعوه بشيء لن ينفعوه إلا بشيء قد أراده الله له. لهذا يجب التوكل على الله وحده والعمل على إرضائه لاتباع أوامره والإبتعاد عن ماينهانا عنه ، لأن رضا الله تعالى قد يجلب لك رضا الناس أما رضا الناس فهو غاية لا تدرك . وفي الأخير لا ننسى أن جميع الديانات تحرم الكذب سواء عادي أو كذب مرضي. فإذا حاول الشخص تقوية إيمانه بعزيمة وإرادة، عندها سيكون قد تسلح بسلاح يستطيع به قتل تلك الأفعى الشريرة التي تسكن قلبه.
مسؤولية المحيطين
في هذه الفقرة أريد أن أوجه خطابي إلى المقربين من المريض بالكذب، فأقول لهم كونوا صارمين في التعامل مع هؤلاء الأشخاص، واعلموا أن دوركم ليس هو التبرير والتعاطف السلبي وإنما هو موجهتهم بالحقيقة، ولا تتغاضوا عن كذبهم، بالعكس أخبروهم أنهم يرتكبون جرما في حق أنفسهم قبل أي أحد، أعطوهم دروسا توضيحية بين الصدق والكذب وأبرزوا لهم مزيا الصدق والصادق، وسلبيات الكذب والكذاب، فبهذه الطريقة ربما ستساعدونهم في وضع اللبنة الأساس في إعادة بناء شخصياتهم من الأول، ولكن ستكون على أرض صلبة من الحقائق.
خلاصة
في كل مقالاتي التي تطرقت فيها لبعض الأمراض النفسية لاحظت أنها تتشارك في سبب واحد ألا وهو المشاكل التي يتعرض لها الشخص في الطفولة، لهذا أوجه ندائي للٱباء وأقول لهم حافظوا على الصحة النفسية لأولادكم، فإنهم أعمدة المجتمعات المستقبلية، فإذا كان أحد هذه الأعمدة مخروما بأحد الأمراض النفسية مثل الكذب المرضي، فإن المجتمع سيكون أعوجا.
