التعلق المرضي هو حالة نفسية خطيرة، تؤدي بصاحبها إلى تدمير الصحة النفسية، وهي علاقة يكون فيها التعلق والهوس من طرف واحد، لهذا يكون ميزانها العاطفي مختلا، مما يؤدي بالمتعلق إلى أمراض نفسية عويصة كالوسواس وربما الجنون. ما هي أسبابه؟ وكيف يمكننا التخلص منه؟
أسباب التعلق المرضي
تتعدد أسباب التعلق المرضي والتي معظمها تكون نفسية، لهذا يجب ألا نستهين بأي مرض نفسي حتى لو كان بسيطا، لأنه قد يؤدي بنا إلى مشاكل عويصة في حياتنا وفي كيفية التعامل مع الآخرين. ومن بين أسباب التعلق الهوسي ما يلي:
صدمات الطفولة
من منظوري الخاص، إن الأسباب الرئيسية لحالة التعلق المرضي تبدأ في فترة الطفولة وتكبر مع الشخص، فيظل يعاني منها حتى لو صار شيخا. لأن صدمات الطفولة تترسخ في عقل الإنسان بشكل كبير. ومن بين هذه الصدمات ما يلي :
طلاق الأبوين
في بعض الأحيان لا يفكر الآباء في أولادهم عندما تبدأ الخلافات الزوجية بينهم ويلجؤون للطلاق، لأن الرعب والخوف يدب في نفوس الأطفال والشعور بالحساسية العاطفية، حيث أنهم لا يفهمون أسباب الإنفصال فيفكرون فقط بأنهم غير مرغوب فيهم، مما يعزز عندهم عدم الشعور بالأمان وخصوصا إذا أحد الآباء قطع الإتصال نهائيا بهم.
إن من واجب الوالدين أن يُراعيا شعور أبنائهما والإهتمام بهم وتحسيسهم بأنهم مهمين ولهم أولوية في حياة آبائهم حتى بعد الإنفصال.
اليتم
إن تعرض شخص ما لليُتم في صغره قد يعرضه لصدمات عاطفية قوية، فتؤثر هذه الصدمات على نفسية اليتيم حيث أنها تجعله يفقد الأمان ويشعر بالوحدة. لهذا فإن معظم من عاشوا حالة اليتم في الطفولة يسعون إلى الحصول على رضا الآخرين فقط كي يبقوا إلى جانبهم، فيتعلقون بهم تعلقا هوسيا.
وإذا اردنا أن نعطي مثالا على هذه الحالة فقد نجد زوجةً تعيش تحت وطأة وسيطرة زوجها العنيف، فعوض أن تكون علاقتهما علاقة زوجية متكافئة ومتوازنة، إلا أن الزوجة ترضخ لسيطرة زوجها وتظل دائما تبرر تصرفاته وأفعاله تجاهها، مما يجعل العديد من الناس تستغرب من إصرارها الغير المبرر على استمرارها في علاقة سامة مع نرجسي دون السعي لوضع حد له أو فراقه. ولكن إذا بحثنا في ماضيها فقد نجدها عاشت حالة يُتم قاهرة في الطفولة، لهذا فإن التعلق المرضي لهذه الزوجة سببه هو خوفها من عيش حالة الترك مرة اخرى.
وقد يحدث العكس فيتعلق الزوج بزوجته حتى لو كانت غير مناسبة له كأن تكون خائنة مثلا وغير مهتمة به، ولكن لا يستطيع فك ارتباطه بها لأنه يخاف من التعرض للفقد والوحدة مرة ثانية.
عدم تقدير الذات
إن من يعاني من عدم تقدير ذاته يكون دائما غير متقبل لنفسه، فنجده يعتمد على حب الآخرين له، وهذه مشكلة كبيرة لأن الإنسان في هذه الحالة يهدم نفسه بنفسه ويدمر حياته بسبب ارتباطه بأشخاص أو شخص ارتباطا هوسيا. وفي حالة ما إذا تم التخلي من طرف الآخر فقد يصاب المريض بحالة التعلق المرضي بالدخول في الإكتئاب أو بالتوتر والقلق المستمر، كما أنه قد يعتريه الشك في قدراته مما يؤدي إلى ضياع العديد من الفرص المتاحة أمامه، والخطير في الأمر أنه قد يدخل في إحدى حالات الإدمان.
عموما هذا الشخص عوض أن يمشي إلى الأمام ويساهم في تقدم حياته، فإنه يبقى في مكانه أو يرجع خطوات للوراء في انتظار منقذ آخر.
الشعور بالفراغ الداخلي:
إن علاقة الفراغ الروحي بالتعلق الهوسي علاقة عميقة جدا، حيث أن الفراغ يعتبر كمغناطيس قوي يجر على صاحبه التعلق المرضي، وهذه الحالة النفسية تؤدي بصاحبها إلى فقدان هويته، وهذا الأمر شعور مؤلم ومخيف يجعل الدماغ أو العقل يبحث عن مخدر، وفي أغلب الأحيان يكون هذا المخدر هو شخص معين كشريك أو صديق مثلا، فيعتبره المريض نافذة الحياة، لأنه في اعتقاده بأن هذا المنقذ سوف يمده بالقيمة والثقة بالنفس لهذا لا يتخيل حياته بدونه.
كيف يمكننا التخلص من التعلق الهوسي
إن الخطا الذي يقع فيه العديد ممن يعانون من التعلق المرضي، هو ظنهم أن السبيل في التعافي والنسيان هو تغيير الأشخاص، فيبدأون بدون شعور في البحث عن شخص ٱخر وهذا خطأ كبير، لأنهم سيكررون نفس الغلطة التي دمرتهم سابقا. لهذا في هذا الجزء من هذا المقال سوف أقترح حلولا جذرية تساعدهم على التخلص من مرضهم والتي هي كما يلي:
قطع الاتصال نهائيا بالشخص المعني
وهذه الخطوة سوف تعطي فرصة للمريض للجلوس مع نفسه أكثر ويقيِّم أفكاره وذاته ويواجه عقله وقلبه، ويحاول إقناع نفسه أنه بخير بدون، أحد وأن له قدرة على تحقيق كل ما يريده إذا اعتمد قليلا على الأنا، بمعنى أن يكون أنانيا شيئا ما، ويفكر في نفسه فقط حتى يقدر على خلق التوازن ما بين تحقيق ذاته وعلاقته مع الآخرين.
بعد ذلك يسأل نفسه هل هذه العلاقة تستنزف طاقته؟ مما يجعله يحس بتعب نفسي دائم لأن الوعي مبدئيا هو بداية التحرر الآمن والصحيح. فبمجرد ما بدأ يسأل دماغه هذه الأسئلة والتي لها علاقة بالتعلق الهوسي، عندها سيستنتج أن هذا النوع من التعلق غير ٱمن، فيبدأ في عملية قطع الإتصال وذلك بحظر أرقام هواتف الشريك وحساباته ومسح جميع المحادثات التي كانت تجمعهما من قبل.
إنشاء هوية وشخصية جديدة
وهذه الخطوة يمكن إنجازها بالإبتعاد النهائي من أجل تكوين النفس بدون أي مؤثرات خارجية، أو احتياج لشخص آخر يملأ الفراغ الداخلي. ثم يتم البدء في استرداد أشياء تم فقدها مع التعلق المرضي، كٱستعادة الإهتمام بالجسم وتكوين صدقات جديدة وممارسات هوايات وتطوير مهارات، ووضع أهداف شخصية مستقبلية والعمل الجدي على تحقيقها.
طلب الدعم
لا أحد منا لا يملك أصدقاءً أو عائلة، لهذا فإن اللجوء إلى أحد من الأفراد ممن حولنا، ولكن بشرط أن يكون الشخص عقلاني لأن العقل يزن الأمور بشكل صحيح أكثر من القلب والعاطفة، ونحاول أن نفهم منه طبيعة العلاقات المريحة، وأن نفضفض له ونطلب منه المساعدة للخروج من العلاقات السامة، لأن الفضفضة أسرع في التشافي من الكتمان الداخلي، وإذا اضطر الأمر يجب زيارة معالج نفسي مختص.
مواجهة المشاعر والمخاوف
في هذه الحالة يجب على المريض أن يواجه مشاعره التي ستنتابه بعد الفراق، أو بمعنى آخر أن يواجه مخاوفه التي يتخيلها، كي لا يعيش في فوبيا وهمية ويتخيل نفسه يعاني من ألم الوحدة الفظيع، في حين أنه لو واجه نفسه ربما سيجد أن الأمر بسيطا مما كان يتوهمه.
وسأعطي مثالا على ذلك لأحدى قريباتي التي كانت تعاني من ألم شديد في بطنها، ولما زارت عدة أطباء أخبروها أنه لابد من إجراء عملية جراحية، فرفضت رفضا تاما للخضوع لهذه العملية خوفا من الموت، وظلت تعاني من الألم لمدة سنوات وفي الأخير أرغمها أبناؤها على إجراء العملية، وبالفعل أجرتها وتمت الأمور بسلام ونجاح وتخلصت من الألم. فلو تشجعت من الأول لكانت وفرت على نفسها سنوات من الألم والعذاب.
وهذا ما أريد تفسيره لمن يعاني من التعلق المرضي، ففي بعض الأحيان تكون نتيجة الفراق أهون بكثير من الإستمرار في العلاقات السامة.
خلاصة
إن ما يجب أن يعرفه من يعاني من التعلق الهوسي، هو أن علاقته تلك وتعلقه سينتهي في كل الأحوال مهما طال وقته وبخيبة أمل كبيرة. وما يزيد الطين بلة هو أنه حتى لو اِنتهت العلاقة بشكل من الأشكال فإنه سيدخل في نمط العلاقة المتكررة ويبقى في دوامة تنتهي بنفس الصدمة ونفس الأحداث. لهذا يجب على المريض أن يعالج نفسه من أنواع هذا التعلق إما بالإستعانة بأشخاص عقلانيين يثق بهم، أو إذا اضطر الأمر يجب زيارة طبيب نفسي مختص.
