الخوف الفطري شعور بشري طبيعي وأحد مستلزمات البقاء البشري، لأنه عبارة عن منبه للإنسان كي لا يُلقي بنفسه في الخطر، فهو نعمة من نعم الله علينا لأنه ردة فعل عادية وليس عيبا أو منقصة، ولكن عندما يتجاوز الخوف مفهومه الفطري فإنه يتحول إلى مرض نفسي. ما هو الخوف الفطري؟ ما هي فوائده؟ وكيف يمكننا الحفاظ على هذه النعمة؟
تعريف الخوف الفطري الطبيعي
الخوف الفطري، أو الخوف الحميد هو ذلك الشعور الذي لا يعطل عمل الدماغ بالتفكير بطريقة سوية والنظر للأمور من حوله بشكل صحيح، لأنه يشبه إنذارا حقيقيا وطاقة تساعد الشخص الخائف على التصرف بحذر شديد، فالشعور بالخوف يقودنا إلى جسر ضيق ويجعلنا أكثر تركيزا حتى نستطيع العبور بدون أخطار، لهذا يمكننا اعتباره طاقة إيجابية تساعد الإنسان في تجاوز العديد من العراقيل والمواقف الصعبة في حياته عكس الخوف المرضي.
فوائد الخوف الفطري
قد يستغرب العديد من الناس عندما يسمعون أن للخوف فوائد ومميزات، وهذا بسبب الأفكار الشعبية التي ترى أن الخائف جبان والمتهور هو البطل الشجاع، وبهذا المنظور فإنهم يصنفون الخوف بجميع أنواعه في خانة الخزي والعار. لكن الحقيقة هي أن الخوف نوعان: مرضي، وفطري والذي هو موضوع مقالنا اليوم.فياترى ماهي مميزاته؟
عدم التهور
إن من يمتلك شعور الخوف الفطري يتميز ببصيرة قوية. تعزز تخطيطاته واستعداداته لمواجهة الصعاب والمشاكل الحياتية، لهذا يتخذ قرارات معظمها حكيمة. فمثلا في حياته الوظيفية يخاف من تشويه سمعته، فيعمل عمله بكل إتقان واتزان ونزاهة تجعله يملك ثقة قوية في نفسه مما يساعده على الخروج من دائرة الرهاب الإجتماعي بسرعة، وتمنع أي أحد كيفما كان شأنه أن يفرض عليه ما لا يتناسب مع أخلاقه ومبادئه.
أما من ناحية حياته الشخصية فيهاب الخائف من الموت وملاقاة الله سبحانه وتعالى وعلى عاتقه الذنوب وظلم الناس، فيضع نصب عينيه إصلاح نفسه وإعداد أعمال صالحة كي يقابل بها وجه ربه بروحٍ طيبة مطمئنة، لأن الخوف من الله هو الوحيد الذي يعطي الطمأنينة، ذلك لأنه يدفعنا للفرار إلى الخالق لا الهروب منه، وهو ارقى وأسمى أنواع الخوف الطبيعي الفطري. هكذا نستشف أن الخوف الطبيعي جيد عكس المتهورين الذين لا يضعون اعتبارا لأي شيء فيلقون بأنفسهم في التهلكة.
التعلم من أحداث الماضي
كلنا ارتكبنا أخطاءً في حياتنا، لكن الفرق هو أن هناك من أخذ عبرة من هذه الأخطاء، وهناك من نسيها وعاد إلى ارتكابها مرة أخرى. والسبب الحقيقي في هذا الأمر هو الخوف الفطري، لأن افتقار الشخص لهذا الشعور يجعله مثل الأحمق، لا تركيز لا تفكير ولا تذكير، فتصبح حياته كلها أخطار وأهوال.
تقوية التركيز
الشخص الخائف يكون دائما في حالة تأهب وتركيز، فيدرس كل خطوة يريد أن يخطوها. مثلا إذا أراد التحدث أو التكلم فإنه يزن كلامه أولا، وينظر هل يليق بالمقام الذي يوجد فيه كي لا يضع نفسه في مأزق ما، ولا يحرج أحدا ممن في المجلس، لأنه يعرف أن الكلمة إذا خرجت لن تعود أبدا. أما إذا كان مسؤولا في وظيفته مثلا فإنه لا يأخذ المواقف من الأشخاص اعتباطا، بل إنه يتأكد من جميع الجوانب والأطراف، وذلك لأنه يخاف أن يظلم أحدا ما أو أن ينغش فيه لأن التركيز يسبق أحكامه وأفعاله.
مميزات الخوف الفطري على الجسم
عندما يتعرض الإنسان للخوف المؤقت فإن دقات قلبه ترتفع بشكل كبير، فيبدأ الجسم بفرز هرمون الادرينالين هذا الهرمون يُفرز في حالة الخوف والتوتر وفي المواقف المفاجئة أو الخطيرة، والتي يحتاج فيها الإنسان الخائف إلى إبداء ردة فعل سريعة، فبعد إفراز هذا الهرمون يحس الخائف بطاقة وتركيز عاليين جدا، حيث يكون الدماغ في حالة يقظة قصوى ويتجاهل الأشياء الثانوية حوله، لأنه يركز فقط على الشيء الذي سبب له الخوف كما أن باقي الحواس هي الأخرى (السمع، البصر، الشم) تشتغل بكفاءة كبيرة أكثر مما تشتغل عليه في الحالات العادية.
هناك دراسات تقول أن أفضل الرياضيين والمتحدثين قدموا أحسن ما لديهم وهم في حالة الضغط والتوتر الذي يسببه لهم الخوف الفطري، وهذا ما يسمونه في علم النفس بالقلق المحفز لأنه يجعل الإنسان يعطي أحسن ما لديه.
كيف نحافظ على نعمة الخوف الفطري
كما قلنا في تعريف الخوف الطبيعي بأنه نعمة، والنعم يجب الحفاظ عليها وشكر الله عليها، لهذا سنتطرق إلى عدة طرق تساعد على عدم الإنزلاق وتضييع هذه الفطرة المفيدة.
التركيز على الحلول بدل المشاكل
الخوف الفطري دائما يوجه انتباه الإنسان نحو قنطرة النجاح، حتى وإن كانت هذه القنطرة متأرجحة أو ضيقة ويصعب عبورها، لأن المخ يعطي إشارة لصاحبه أنه قادر ويستطيع العبور، فقط يجب أن يكون قويا ومتشبثا بالوصول إلى بر الأمان.
أما الخوف المرضي فإنه يثبط عزيمة صاحبه ويجعله يرى أن هذا الجسر هو بحد ذاته خطر، وأن البقاء في مكانه أفضل له، عندها يكون الإنسان خرج من منطقة الأمان الخوف الفطري، إلى منطقة الخطر الخوف المرضي.
التناسب بين الخوف والخطر
إذا رأينا أن الخوف يدفعنا لوجود حلول جذرية وٱمنة فإننا في الحالة الطبيعية، كأن نخاف من الأمراض فنبتعد عن كل مسبباتها كالسموم الغذائية مثلا، نخاف من الإمتحان وندرس جيدا لكي ننجح. يعني أن الخوف يقوي العزيمة لعمل شيء يسعدنا ويريح نفسياتنا. أما إن جعلك لا تستطيع الدراسة وقد تتوقف عن الأكل وتدخل في عزلة، عندها يجب إنقاذ نفسك بزيارة مختص يساعدك على تجاوز هذه المرحلة والرجوع إلى الفطرة الطبيعية.
الوعي بردة فعل الجسم
عندما تزداد ضربات القلب أو يتغير لون الوجه أو يصير إحساس بالمغص، كل هذه الحالات هي علامات الخوف الفطري، يجب علينا أن نحولها أو نعتبرها كمنبه من الجسم، يحاول بها أن يقول لنا بأنه أعطانا طاقه إضافية لمواجهة التهديد. يعني بما أننا تفاجئنا بالتهديد فإن الجسم زاد من طاقته كي يكون الشخص قادرا على مواجهة الخطر.
البعد الفلسفي للخوف
بالنسبة لي، فإني اؤمن بمثَلين يُضربان في تعريف الخوف الفطري، فالاول يقول من "خاف نجا" ولكن هناك من يعتبره دعوة للجبن، لكني أنا أراه دعوة لليقظة والحذر، لأن المؤمن يكون دائما فطنا ويُقَدر العواقب، فيسعى إلى هدفه بتركيز دقيق. بينما من لا يخاف العواقب فإنه لا محالة مصيره الهلاك. فالأول اختار الشجاعة والثاني اختار التهور.
أما المثال الثاني والذي أعتبره حكمة فيقول: "من لا يخاف الله خَفْ منه" فمن يفتقد الوازع الداخلي والحياء من خالقه الذي يراه في كل مكان وزمان، يصبح شخصا عدوانيا وسلبيا، لا حدود لضرره، عندها يكون الخوف الفطري منه صمام أمان للإبتعاد عنه واتقاء شره.
خلاصة
رغم كل ما ذكرناه من مميزات الخوف الفطري، إلا أنه يجب على الشخص أن ينتبه على نفسه، فإذا لاحظ أن هذا الخوف يتكرر بشكل كبير وخصوصا في المواقف التي لا تُوجب الخوف، عندها يجب أن يضع في الإحتمال أنه قد يكون مصابا بحالة الهلع أو مايسمى بالخوف المرضي، لهذا يجب أن يستشير مختصا في علم النفس كي يطمئنه على الحالة التي يعاني منها، أو على الأقل يستفيد من العلاج المبكر.